ابن عطية الأندلسي
374
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
قوله عزّ وجل : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 278 إلى 279 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 278 ) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ ( 279 ) سبب هذه الآية أنه كان الربا بين الناس كثيرا في ذلك الوقت ، وكان بين قريش وثقيف ربا ، فكان لهؤلاء على هؤلاء . فلما فتح رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مكة قال في خطبته في اليوم الثاني من الفتح : « ألا كل ربا في الجاهلية موضوع ، وأول ربا أضعه ربا العباس بن عبد المطلب » ، فبدأ صلى اللّه عليه وسلم بعمه وأخص الناس به ، وهذه من سنن العدل للإمام أن يفيض العدل على نفسه وخاصته ، فيستفيض حينئذ في الناس ، ثم رجع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى المدينة واستعمل على مكة عتاب بن أسيد ، فلما استنزل أهل الطائف بعد ذلك إلى الإسلام اشترطوا شروطا ، منها ما أعطاه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ومنها ما لم يعطه ، وكان في شروطهم أن كل ربا لهم على الناس فإنهم يأخذونه ، وكل ربا عليهم فهو موضوع ، فيروى أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قرر لهم هذه ثم ردها اللّه بهذه الآية ، كما رد صلحه لكفار قريش في رد النساء إليهم عام الحديبية . وذكر النقاش رواية أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أمر أن يكتب في أسفل الكتاب لثقيف لكم ما للمسلمين وعليكم ما عليهم ، فلما جاءت آجال رباهم بعثوا إلى مكة للاقتضاء ، وكانت الديون لبني المغيرة وهم بنو عمرو بن عمير من ثقيف ، وكانت لهم على بني المغيرة المخزوميين فقال بنو المغيرة لا تعطي شيئا فإن الربا قد وضع ، ورفعوا أمرهم إلى عتاب بن أسيد بمكة ، فكتب به إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فنزلت الآية ، وكتب بها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى عتاب فعلمت بها ثقيف فكفت ، هذا سبب الآية على اختصار مجموع مما روى ابن إسحاق وابن جريج والسدي وغيرهم . فمعنى الآية ، اجعلوا بينكم وبين عذاب اللّه وقاية بترككم ما بقي لكم من ربا وصفحكم عنه . وقوله : إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ شرط محض في ثقيف على بابه ، لأنه كان في أول دخولهم في الإسلام وإذا قدرنا الآية فيمن تقرر إيمانه فهو شرط مجازي على جهة المبالغة ، كما تقول لمن تريد إقامة نفسه : إن كنت رجلا فافعل كذا ، وحكى النقاش عن مقاتل بن سليمان أنه قال : إِنْ في هذه الآية بمعنى إذ . قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي اللّه عنه : وهذا مردود لا يعرف في اللغة ، وقال ابن فورك : يحتمل أنه يريد يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا بمن قبل محمد من الأنبياء ، ذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بمحمد ، إذ لا ينفع الأول إلا بهذا وهذا مردود بما روي في سبب الآية ، ثم توعدهم تعالى إن لم يذروا الربا بحرب من اللّه ومن رسوله وأمته ، والحرب داعية القتل ، وروى ابن عباس أنه يقال يوم القيامة لأكل الربا : خذ سلاحك للحرب ، وقال ابن عباس أيضا : من كان مقيما على الربا لا ينزع عنه فحق على إمام المسلمين أن يستنيبه ، فإن نزع وإلا ضرب عنقه ، وقال قتادة : أوعد اللّه أهل الربا بالقتل فجعلهم بهرجا أينما ثقفوا ، ثم ردهم تعالى مع التوبة إلى رؤوس أموالهم ، وقال لهم : لا تَظْلِمُونَ في أخذ الربا وَلا تُظْلَمُونَ